تعليم اللغات الأجنبية.. من رفاهية اجتماعية إلى حاجة اقتصادية

غيرت العولمة من ملامح الحياة العصرية وفرصها، وانتشرت بسببها ظواهر واختفت أخرى، ومن المؤكد أن الانفتاح الواسع الذي حل معها وضع العالم في بيئة اجتماعية وثقافية مختلفة لها متطلباتها واتجاهاتها الرئيسية الجديدة في المجالات العلمية والمهنية، ومن بينها تفشي اللغات الأجنبية في الفصول الدراسية وأسواق العمل.

لسنوات عديدة تعاملت المجتمعات مع هذا الموضوع بطرق مختلفة، ما بين التشجيع والإهمال وذلك لأسباب لها علاقة بالوعي العام والوضع المادي للأفراد، ورغم الإيجابيات التي يشير إليها مؤيدي فكرة إدخال اللغات الأجنبية إلى المناهج التعليمية، فإن هناك جدلاً واسعًا عن مدى أهمية هذه المهارة في العصر الحاليّ وتأثيرها على الثقافة المحلية واللغة الأم.

سيطرة لغة “البيزنس” على العالم

يعتقد البعض أن انتشار اللغة الإنجليزية في العالم بسبب سهولتها أو مرونة قواعدها، ولكن هذا الاعتقاد ليس صحيحًا بالفعل، فلقد كانت اللغة اللاتينية الأكثر تأثيرًا في أحاديث الناس لأكثر من ألف سنة، بينما يقتصر استخدامها اليوم على الكهنة وداخل بعض التخصصات الجامعية.

والحقيقة أن اللغة الإنجليزية لم تكن منتشرة بالشكل الذي نلاحظه اليوم، فلقد هيمنت على بعض المدارس الأوروبية في النصف الأول من القرن التاسع عشر، بالجانب مع اللغة الفرنسية التي شكلت جزءًا كبيرًا من جميع أعمال المال والتجارة والتعليم والاتصالات الدولية، لكن مع ازدهار الولايات المتحدة الأمريكية اقتصاديًا بشكل تدريجي في فترة الخمسينيات انتشرت اللغة الإنجليزية بشكل واسع وعرفت آنذاك بلغة التجارة.

لم تمتلك اللغة الإنجليزية سوق العمل فقط، بل امتد تأثيرها الثقافي والفني إلى جميع الدول من خلال نجاحاتها المذهلة في مجالي الموسيقى والسينما؛ حتى شاعت ثقافتها في الأنحاء وأصبحت اللغة العالمية

لم تمتلك اللغة الإنجليزية سوق العمل فقط، بل امتد تأثيرها الثقافي والفني إلى جميع الدول من خلال نجاحاتها المذهلة في مجالي الموسيقى والسينما؛ حتى شاعت ثقافتها في الأنحاء ووصلت إلى شريحة كبيرة من الناس وأصبحت اللغة العالمية، كما تزامنت هذه الشهرة مع ولادة الثورة التكنولوجية التي قادتها أمريكا؛ مما زاد من أهمية لغتها بشكل أكبر خاصة أنها لغة الحواسيب.

تعليم اللغات الأجنبية في المدارس

لم تصبح دراسة اللغات الحديثة جزءًا من المناهج الدراسية للمدارس حتى القرن الثامن عشر، وكانت تدرس بشكل شفهي حتى تطورت أساليب تعليمها وأصبح هناك نظريات متعددة لحفظ قواعدها والتدريب على نطقها والتحدث بها.

اليوم، لا تخلو أحاديثنا اليومية من بعض الألفاظ الأجنبية التي نتداولها في أثناء الكلام، وذلك تماشيًا مع طريقة الحديث السائدة في الوسط الذي نتواجد فيه، أو بسبب تحول بعض الكلمات الغربية إلى جزء من قاموسنا الشخصي الذي نختار منه الألفاظ التي تعبر عنا بشكل أفضل، ولكن من جهة أخرى هناك آراء أخرى ترى أن هذه العادة اللغوية هي تفاخر واستعراض اجتماعي.

فرصة تعلم اللغات جميعها أصبحت متوفرة للجميع بغض النظر عن إمكاناتهم المادية أو ظروفهم، وهذا بالطبع بفضل معجزة التكنولوجيا والثورة المعلوماتية التي حفظت لكل فرد حقه بالحصول على المعرفة والتعلم الذاتي.

يعتقد البعض أن عملية تعلم اللغات مشروطة بالترف الاجتماعي والمستوى المادي الميسور، لذلك تطبعت هذه الميزة بصبغة طبقية وخصصت لنفسها مكانة اجتماعية معينة، فمن المتعارف عليه أن من لديه هذه القدرة هو أحد طلاب المدارس الخاصة والمعروفة بتكاليفها العالية، كما تلاحق هذه التهم الاجتماعية من حصل على فرصة السفر خارجًا وتمتع بهذه التجربة بجميع نواحيها اللغوية والثقافية.

وهذا بالعكس ممن تعلم في المدارس الحكومية التي عادة ما تفتقد إلى معايير الجودة والكفاءة المطلوبة لإتقان المهارات اللغوية، لكن من المرجح أن تذوب هذه الآراء في السنوات القادمة القليلة، ولا سيما أن فرصة تعلم اللغات جميعها أصبحت متوفرة للجميع بغض النظر عن إمكاناتهم المادية أو ظروفهم، وهذا بالطبع بفضل معجزة التكنولوجيا والثورة المعلوماتية التي حفظت لكل فرد حقه بالحصول على المعرفة والتعلم الذاتي.

اللغات الأجنبية.. قد تكون بابًا أو عائقًا داخل عالم التجارة

تختصر المصالح الاقتصادية والمنافع الربحية التي يمكن الحصول عليها من تعلم اللغات هذه الحكاية، لأن الميزة اللغوية تسمح للأفراد بتعزيز حضورهم واستقرارهم داخل السوق المحلي، ومتابعة أخبار العالم والتعرف على الدول الرائدة اقتصاديًا وبالتالي تتاح لهم فرصة نقل تجاربهم الناجحة وفتح مجال الاستثمارات وتنامي العلاقات الاقتصادية بين الدول، وهذه فائدة إستراتيجية تتبعها الصين في الضغط على مواطنيها لتعلم اللغة الإنجليزية لتتبع إنجازات السوق الأمريكي والدولي بصفة عامة.

هذا بالإضافة إلى تركيا التي طرحت اللغة العربية بشدة مجددًا وأضافتها إلى مناهجها التعليمية كلغة ثانية اختيارية أو من خلال تشجيعها للبلديات على استخدام اللغة العربية في المناطق السياحية والمزدحمة بالسياح العرب، وهذا مؤشر إلى ثقل اللغات في العلاقات الخارجية بين الدول.

ولا شك أن تعليم اللغات يعتبر حلقة وصل بين الأمم، فهي تمنح المجتمع صفات حضارية تجعله أكثر انفتاحًا على العالم وتقبلًا لعاداتهم وتقاليدهم، وتزيل الحواجز بينهم وبين العالم الخارجي بسبب التجارب والمعرفة المتبادلة، وهذا ما أشارت إليه ريتا الروائية الأمريكية، ماي براون عندما قالت: “اللغة هي خريطة طريق الثقافة، ستخبرك من أين أتى أناسها، وإلى أين سيذهبون”.

مع التطورات السريعة التي نشهدها في عصر التكنولوجيا يبدو تعلم لغة الآلة أو البرمجة أمرًا منطقيًا عند النظر إلى عدد المبرمجين الذي وصل إلى 18 ألف مليون مبرمج

ومن ناحية أخرى، تساعد اللغات الجديدة الفرد على استخدام إدراكه العلمي بشكل مختلف، وينمي قدرته على فهم التراكيب والقواعد اللغوية ويزيد من مرونته الفكرية وأمكاناته على التحليل والتواصل، وهذا ما أكد عليه رائد الفضاء جيوفري ويليامز عندما قال: “لن تستطيع أبدًا فهم لغة ما حتى تتمكن من فهم لغتين على الأقل”، أو ما قاله الأديب الألماني يوهان فولفغاتغ فون غوته: “أولئك الذين لا يعرفون أي لغات أخرى، لا يعرفون شيئًا عن لغتهم الأم”، ولا بد أن هناك الكثير من المتع اللغوية التي يفتقد إليها الأشخاص الذين يتحدثون لغة واحدة.

إلى ذلك، فإن جميع هذه التأثيرات والمتطلبات ألغت الحدود الجغرافية بين الناس وراهنت على قوة اللغة وقدرتها على الوصول إلى أبعد بقعة وتوحيد العلاقات الدولية، ومع التطورات السريعة التي نشهدها في عصر التكنولوجيا يبدو تعلم لغة الآلة أو البرمجة أمرًا منطقيًا عند النظر إلى الإقبال على تعلم لغة البرمجة.

فبحسب إحصاءات المركز العالمي للعاملين في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وصل عدد المبرمجين إلى أكثر من 18 مليون مبرمج، وهذا بالتوافق مع رغبة العالم في محاربة الأمية التكنولوجية وتحسين قدرة الأفراد على التواصل مع الآلات التي يرجح أنها سوف تسيطر على مجالات عديدة في عالمنا يومًا ما.